المقصد الثاني: في الجناية على المنافع وهي في موارد :
الأوّل : العقـل ، وفيـه الديـة كاملـة ، وفي نقصانـه الأرش ، ولا قصـاص في ذهابـه ولا نقصانه . (مسألة 1) : لا فـرق في ذهابـه أو نقصانـه بين كون السبب فيهما الضرب على رأسـه أو غيره ، وبين غير ذلك مـن الأسباب ، فلو أفزعـه حتّى ذهب عقله فعليـه الديـة كاملـة ، وكذا لو سحره . (مسألة 2) : لو جنى عليه جناية ـ كما شجّ رأسه أو قطع يده ـ فذهب عقله ، لم تتداخل دية الجنايتين . وفي رواية صحيحة : إن كان بضربة واحدة تداخلتا . لكن أعرض أصحابنا عنها ، ومع ذلك فالاحتياط بالتصالح حسن . (مسألة 3) : لو ذهب العقل بالجناية ودفع الدية ثمّ عاد العقل ففي ارتجاع الدية تأمّل685 ؛ وإن كان الارتجاع والرجوع إلى الحكومة أشبه . (مسألة 4) : لو اختلف الجاني ووليّ المجنيّ عليه في ذهاب العقل أو نقصانه ، فالمرجع أهل الخبرة من الأطبّاء ، ويعتبر التعدّد والعدالة على الأحوط ، ويمكن اختباره في حال خلواته وغفلته ، فإن ثبت اختلاله فهو ، وإن لم يتّضح ـ لا من أهل الخبرة لاختلافهم مثلاً ، ولا من الاختبار ـ فالقول قول الجاني مع اليمين .
الثاني : السمع ، وفي ذهابه من الاُذنين جميعاً الدية ، وفي سمع كلّ اُذن نصف الدية . (مسألة 1) : لا فـرق في ثبوت النصف بين كون إحـدى الاُذنين أحـدّ مـن الاُخـرى أم لا . ولو ذهب سمـع إحداهما ـ بسبب مـن اللّه تعالى ، أو بجنايـة ، أو مـرض ، أو غيرها ـ ففي الاُخـرى النصف . (مسألة 2) : لو علم عدم عود السمع أو شهد أهل الخبرة بذلك استقرّ الدية ، وإن أمّل أهل الخبرة العود بعد مدّة متعارفة يتوقّع انقضاؤها ، فإن لم يعد استقرّت ، ولو عاد قبل أخذ الدية فالأرش ، وإن عاد بعده فالأقوى أ نّه لايرتجع ، ولو مات قبل أخذها فالأقرب الدية . (مسألة 3) : لو قطع الاُذنين وذهب السمع به فعليه الديتان ، ولو جنى عليه بجناية اُخرى فذهب سمعه فعليه دية الجناية والسمع ، ولو قطع إحدى الاُذنين فذهب السمع كلّه من الاُذنين فدية ونصف . (مسألة 4) : لو شهد أهل الخبرة بعدم فساد القوّة السامعة ، لكن وقع في الطريق نقص حجبها عن السماع ، فالظاهر ثبوت الدية لا الحكومة ، وإن ذهب بسمع الصبيّ فتعطّل نطقه ، فالظاهر بالنسبة إلى تعطّل النطق الحكومة مضافاً إلى الدية . (مسألة 5) : لو أنكر الجاني ذهاب سمع المجنيّ عليه ، أو قال : «لا أعلم صدقه» ، اعتبرت حاله عند الصوت العظيم والرعد القويّ ، وصيح به بعد استغفاله ، فإن تحقّق ما ادّعاه اُعطي الدية ، ويمكن الرجوع إلى الحذّاق والمتخصّصين في السمع مع الثقة بهم ، والأحوط التعدّد والعدالة ، وإن لم يظهر الحال اُحلف القسامة للّوث وحكم له . (مسألة 6) : لو ادّعى نقص سمع إحداهما قيس إلى الاُخرى ، وتلزم الدية بحساب التفاوت . وطريق المقايسة : أن تسدّ الناقصة سدّاً شديداً وتطلق الصحيحة ويضرب له بالجرس ـ مثلاً ـ حيال وجهه ، ويقال له : «اسمع» ، فإذا خفي الصوت عليه علّم مكانه ، ثمّ يضرب بـه مـن خلفه حتّى يخفى عليـه فيعلّم مكانـه ، فإن تساوى المسافتان فهو صـادق وإلاّ كاذب ، والأحوط الأولى تكرار العمل في اليمين واليسار أيضاً ، ثمّ تسدّ الصحيحة سدّاً جيّداً وتطلق الناقصـة ، فيضرب بالجرس مـن قدّامـه ثمّ يعلّم حيث يخفى الصوت ؛ يصنع بها كما صنع باُذُنه الصحيحة أوّلاً ، ثمّ يقاس بين الصحيحة والمعتلّة فيعطى الأرش بحسابـه ، ولابدّ في ذلك مـن توخّي سكون الهواء ، ولايقاس مـع هبوب الرياح ، وكذا يقاس في المواضع المعتدلة .
الثالث : البصر ، وفي ذهاب الإبصار من العينين الدية كاملة ، ومن إحداهما نصفها . (مسألة 1) : لا فرق بين أفراد العين المختلفة ؛ حديدها وغيره حتّى الحولاء والعشواء ، والذي في عينه بياض لايمنعه عن الإبصار ، والعمشاء بعدكونها باصرة . (مسألة 2) : لو قلع الحدقة فليس عليه إلاّ دية واحدة ويكون الإبصار تبعاً لها ، ولو جنى عليه بغير ذلك ـ كما لو شجّ رأسه فذهب إبصاره ـ عليه دية الجناية مع دية الإبصار . (مسألة 3) : لو قامت العين بحالها وادّعى المجنيّ عليه ذهاب البصر وأنكر الجاني ، فالمرجع أهل الخبرة ؛ فإن شهد شاهدان عدلان من أهلها أو رجل وامرأتان ثبت الدية ، فإن قالا : «لايرجى عوده» استقرّت ، ولو قالا «يرجى العود» ـ من غير تعيين زمان ـ تؤخذ الدية ، وإن قالا : بعد مدّة معيّنة متعارفة فانقضت ولم يعد استقرّت . (مسألة 4) : لو مات قبل مضيّ المدّة التي اُجّلت استقرّت الدية ، وكذا لو قلع آخر عينه ، نعم لو ثبت عوده فقلعت فالظاهر الأرش ، كما أ نّه لو عاد قبل استيفاء الدية عليه الأرش ، وأمّا بعده فالظاهر عدم الارتجاع . (مسألة 5) : لو اختلفا في عوده فالقول قول المجنيّ عليه686 . (مسألة 6) : لو ادّعى ذهاب بصره وعينه قائمة ولم يكن بيّنة من أهل الخبرة ، أحلفه الحاكم القسامة وقضى له . (مسألة 7) : لو ادّعى نقصان إحداهما قيست إلى الاُخرى ، واُخذت الدية بالنسبة بعد القسامة استظهاراً . ولو ادّعى نقصانهما قيستا إلى687 من هو من أبناء سنّه ، واُلزم الجاني التفاوت بعد الاستظهار بالأيمان إلاّ مع العلم بالصحّة ، فيسقط الاستظهار . (مسألة 8) : طريق المقايسة هاهنا كما في السمع ، فتشدّ عينه الصحيحة ويأخذ رجل بيضة ـ مثلاً ـ ويبعد حتّى يقول المجنيّ عليه : «ما اُبصرها» ، فيعلّم عنده ، ثمّ يعتبر في جهـة اُخرى أو الجهات الأربع فإن تساوت صدّق ، وإلاّ كذّب ، وفي فرض الصدق تشدّ المصابة وتطلق الصحيحة فتعتبر بالجهتين أو الجهات ، ويؤخذ من الدية بنسبة النقصان . وهذه المقايسة جارية في إصابة العينين ودعوى نقصانهما ، لكن تعتبر مع العين الصحيحة من أبناء سنّه . (مسألة 9) : لابدّ في المقايسة من ملاحظة الجهات ؛ من حيث كثرة النور وقلّته ، والأراضي مـن حيث الارتفاع والانخفاض ، فلا تقاس مـع ما يمنع عـن المعرفـة ، ولا تقاس في يوم غيم .
الرابع : الشمّ ، وفي إذهابه عن المنخرين الدية كاملة ، وعن المنخر الواحد نصفها على إشكال في الثاني ، فلايترك الاحتياط بالتصالح . (مسألة 1) : لو ادّعى ذهابه وأنكر الجاني امتحن بالروائح الحادّة والمحرقة في حال غفلته ، فإن تحقّق الصدق تؤخذ الدية ، وإلاّ فليستظهر عليه بالقسامة ويقضى له . وإن أمكن الاستكشاف في زماننا بالوسائل الحديثة ، يرجع إلى أهل الخبرة مع اعتبار التعدّد والعدالة احتياطاً ، فمع قيام البيّنة يعمل بها . (مسألة 2) : لو ادّعى نقص الشمّ ، فإن أمكن إثباتـه بالآلات الحديثـة وشهادة العـدلين مـن أهل الخبرة فهو ، وإلاّ فلايبعد الاستظهار بالأيمان ، ويقضي بما يراه الحاكم من الحكومة أو الأرش . (مسألة 3) : لو أمكن إثبات مقدار النقص بالامتحان والمقايسة بشامّة أبناء سنّه ـ كما في البصر والسمع ـ لايبعد القول به . (مسألة 4) : لو عاد الشمّ قبل أداء الدية فالحكومة ، ولو عاد بعده ففيه إشكال لابدّ من التخلّص بالتصالح ، ولو مات قبل انقضاء المدّة ولم يعد فالدية ثابتة . (مسألة 5) : لو قطع الأنف فذهب الشمّ فديتان ، وكذا لو جنى عليه جناية ذهب بها الشمّ فعليه مع دية ذهابه دية الجناية ، ولو لم يكن لها دية مقدّرة فالحكومة .
الخامس : الذوق ، قيل : فيه الدية ، وهو وإن لم يكن ببعيد688 ، لكن الأقرب فيه الحكومة . (مسألة 1) : لو أمكن التشخيص بالوسائل الحديثة يرجع إلى شاهـدين عدلين مـن أهل الخبـرة ، وإلاّ فإن اختلفـا ولا أمارة توجـب اللوث فالقـول قول الجاني ، ومع حصولـه يستظهر بالأيمان . (مسألة 2) : لو تحقّق النقصان يرجع إلى الحاكم ليحسم مادّة النزاع بالتصالح أو بالحكم ، والأحوط لهما التصالح . (مسألة 3) : لو قطـع لسانـه فـليس إلاّ الديـة للّسـان ، والـذوق تبـع ، ولو جـنى عليـه جنايـة اُخـرى ذهـب بذوقـه ففي الذوق مـا عرفـت وفي الجنايـة ديتها ، ولو لم يكن ديـة مقدّرة فالحكومة . (مسألة 4) : لو جنى على مغرس لحيته فلم يستطع المضغ فالحكومة ، وقيل بالدية . (مسألة 5) : لو عاد الذوق تستعاد الدية689 ، والأحوط التصالح . السادس: قيل: لواُصيب بجناية فتعذّر عليه الإنزال ففيه الدية690، وكذا لوتعذّر عليه الإحبال، وكذا لو تعذّر عليه الالتذاذ بالجماع . وفي الجميع إشكال ، والأقرب الحكومة . نعم لايترك الاحتياط691 في انقطاع الجماع ؛ أي تكون الجناية سبباً لانقطاع أصل الجماع وعدم نشر الآلة .
السابع : في سلس البول الدية كاملة إن كان دائماً على الأقوى ، والأحوط692 ذلك إن دام تمام اليوم ، كما أنّ693 الأحوط فيما كان إلى نصف النهار ثلثا الدية وإلى ارتفاعه ثلثها ، وفي سائر أجزاء الزمان الحكومة . والمراد من الدوام أو تمام اليوم أو بعضه : هو كونه كذلك في جميع الأيّام ، وإن صار كذلك في بعض الأيّام وبرئ ففيه الحكومة .
الثامن : في ذهاب الصوت كلّه الدية كاملة ، وإذا ورد نقص على الصوت كما غَنّ أو بَحّ فالظاهر الحكومة ، والمراد بذهاب الصوت : أن لايقدر صاحبه على الجهر ، ولاينافي قدرته على الإخفات . (مسألة 1) : لو جنى عليه فذهب صوته كلّه ونطقه كلّه فعليه الديتان . (مسألة 2) : لو ذهب صوته بالنسبة إلى بعض الحروف وبقي بالنسبة إلى بعض ، يحتمل فيه الحكومة694 ، ويحتمل التوزيع ، كما مرّ في أصل التكلّم ، والأحوط التصالح . (مسألة 3) : في ذهاب المنافع ـ التي لم يقدّر لها دية ـ الحكومة ، كالنوم واللمس وحصول الخوف والرعشة والعطش والجوع والغشوة وحصول الأمراض على أصنافها . (مسألة 4) : الأرش ـ والحكومة التي بمعناه ـ إنّما يكون في موارد لو قيس المعيب بالصحيح يكون نقص في القيمة ، فمقدار التفاوت هو الأرش والحكومة التي بمعناه . وأمّا لو فرض في مورد لا توجب الجناية نقصاً بهذا المعنى ، ولا تقدير له في الشرع ، كما لو قطع إصبعه الزائدة ، أو جني عليه ونقص شمّه ، ولم يكن في التقويم بين مورد الجناية وغيره فرق ، فلابدّ من الحكومة بمعنىً آخر ، وهي حكومة القاضي بما يحسم مادّة النزاع : إمّا بالأمر بالتصالح ، أو تقديره على حسب المصالح ، أو تعزيره . ------------------- 685 ـ لاتأمّل في عدم الارتجاع إن كان بعد السنة ، وفيما قبلها لايبعد الرجوع إلى الحكومة .
686 ـ مع يمينه .
687 ـ أي قيستا إلى عينَيْ من هو من أبناء سنّه .
688 ـ بل هو الأقرب .
689 ـ على إشكال .
690 ـ ولايخلو من قوّة ، بخلاف ما يليه من القسمين .
691 ـ بل لايخلو من قوّة .
692 ـ بل والأقوى .
693 ـ الأقوى .
694 ـ وهي الأوجه ؛ وإن كان الأحوط التصالح .
|